الشيخ محمد الصادقي
187
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
ذلك ، وليس الحكم القضاء في الدعاوي وسائر الأحكام في مختلف الحقول ، غير المنصوصة في القرآن ، ليست هذه مما أنزل إليه في نص الكتاب أو ظاهره ، اللّهم إلّا في تأويله إتساعاً علمياً له بالأحكام ، وفي سنته تفصيلًا لكافة الأحكام ، وفيما أراه اللَّه رؤية معرفية تجعله حاكماً طليقاً بين الناس في كل قليل وجليل ، فلا يخطأ في أي حكم بياناً وتطبيقاً ، كما لا يخطأ في الأحكام القضائية والسياسية والحربية أمَّاهيه ، مما لا نص لها في الكتاب والسنة . فكما « أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ » هي وحيه الأصيل ، كذلك « بِما أَراكَ اللَّهُ » هي وحي رمزى له آخر يحلق على سائر الوحي ، إذاً فكل أحكامه عاصمة معصومة بما أراه اللَّه ، حتى في الأقضية الخاصة . ف « إِنَّا » بجمعية ربانية الصفات « أَنْزَلْنا » - « بِالْحَقِّ » - « إِلَيْكَ » - « بِالْحَقِّ » - « الْكِتابَ » « بِالْحَقِّ » ، فذلك الإنزال هو في مثلث الحق الثابت الذي لا حول عنه ، ولماذا ؟ : « لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ » حكماً في كافة البينونات السياسية والاقتصادية والثقافية والعقيدية والخلقية والعملية ، فردية وجماعية ، إزالة لكل بين وبون عن ذلك البين وبماذا ؟ : « بِما أَراكَ اللَّهُ » وتراها إراءة بصرية ؟ وليس الحكم - فضلًا عن مادته - مبصَراً ! أم إراءَة عقيدية ؟ وقد كان يعتقد كل ما أنزل اللَّه عليه وينزله قبل إنزاله ! . أم عرَّفك اللَّه ؟ وهذا هو الصحيح ، وهذه من الحكمة النازلة عليه مع الكتاب : « وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً » « 1 » فلا بد وأنها حكمة مع القرآن مهما كان القرآن نفسه أصل الحكمة لحد أصبح برهاناً للرسول لا مرد له : « وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ . إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ » : « حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ » « 2 » . ولقد كفت « بِما أَراكَ اللَّهُ » برهاناً ساطعاً على أنه صلى الله عليه وآله ما كان ليحكم إلّا بإراءة ربانية ،
--> ( 1 ) ) 4 : 113 ( 2 ) 54 : 5